عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

58

اللباب في علوم الكتاب

والرفع بإضمار مبتدأ . والجعل يجوز أن يتعدى لا ثنين بمعنى صير ، وأن يتعدى لواحد . والعامة على رفع « سواء » . وقرأ حفص عن عاصم بالنصب هنا « 1 » ، وفي الجاثية « سَواءً مَحْياهُمْ » « 2 » وافقه على الذي في الجاثية الأخوان « 3 » وسيأتي توجيهه . فأما على قراءة الرفع ، فإن قلنا : إن « جعل » بمعنى ( صير ) كان في المفعول الثاني ثلاثة أوجه : أظهرها « 4 » : أن الجملة من قوله : « سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ » هي المفعول الثاني « 5 » ، ثم الأحسن في رفع « سواء » أن يكون خبرا مقدما ، و « الْعاكِفُ » ، والبادي مبتدأ مؤخر ، وإنما وحد الخبر وإن كان المبتدأ اثنين ، لأن « سواء » في الأصل مصدر « 6 » وصف به ، وقد تقدم أول البقرة « 7 » . وأجاز بعضهم أن يكون « سواء » مبتدأ ، وما بعده الخبر « 8 » ، وفيه ضعف أو منع من حيث الابتداء بالنكرة من غير مسوغ ، ولأنه متى اجتمع معرفة ونكرة « 9 » جعلت المعرفة المبتدأ . وعلى هذا الوجه أعني كون الجملة مفعولا ثانيا فقوله : « للناس » يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلق بالجعل ، أي : جعلناه لأجل الناس كذا . والثاني : أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من مفعول « جعلناه » ، ولم يذكر أبو البقاء فيه على هذا الوجه غير ذلك « 10 » ، وليس معناه متضحا . الوجه الثاني : أن « للناس » هو المفعول الثاني ، والجملة من قوله : « سَواءً الْعاكِفُ » في محل نصب على الحال ، إما من الموصول وإما من عائده وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء « 11 » ، وفيه نظر ؛ لأنه جعل هذه الجملة التي هي محط الفائدة فضلة .

--> ( 1 ) السبعة : ( 435 ) ، الكشف 3 / 118 ، النشر 2 / 326 ، الإتحاف 8314 ( 2 ) من قوله تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [ الجاثية : 21 ] . ( 3 ) حمزة والكسائي . السبعة ( 595 ) ، الكشف 2 / 268 - 269 ، النشر 2 / 372 . ( 4 ) في ب : أظهرهما . وهو تحريف . ( 5 ) انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج 3 / 420 ، مشكل إعراب القرآن 2 / 95 ، الكشاف 3 / 30 ، التبيان 2 / 939 ، البحر المحيط 6 / 362 . ( 6 ) في ب : مقدر . وهو تحريف . ( 7 ) عند قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ البقرة : 6 ] . ( 8 ) انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج 3 / 420 ، تفسير ابن عطية 10 / 254 . ( 9 ) في ب : نكرة ومعرفة . ( 10 ) فإنه قال : ( والوجه الثاني : أن يكون « للناس » حالا ، والجملة بعده في موضع المفعول الثاني ) التبيان 2 / 939 . ( 11 ) فإنه قال : ( و « جعلناه » : يتعدى إلى مفعولين ، فالضمير هو الأول ، وفي الثاني ثلاثة أوجه : أحدهما : « للناس » ، وقوله تعالى « سواء » خبر مقدم ، وما بعده المبتدأ ، والجملة حال إما من الضمير الذي هو الهاأ أو من الضمير في الجار ) التبيان 2 / 939 .